من أ جل أن لا ننسى التاريخ و من أجل أن لا ينساننا التاريخ

بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» سليمان عليه السلام (2)
الثلاثاء ديسمبر 16, 2014 5:33 pm من طرف شيماء حسن احمد

» منهج البحث التاريخي بقلم الدكتورة رجاء وحيد دويدري (3)
الجمعة ديسمبر 12, 2014 12:19 pm من طرف samr yosry

» لماذا ينبغي علينا أن ندرس العهد القديم؟
الإثنين مارس 31, 2014 6:32 am من طرف bahiah

» البحث التاريخي وأخلاقية المنهج أ.د/جابر قميحة
الإثنين مايو 13, 2013 9:18 pm من طرف أبوعبيدة بن الجراح

» مدخل لدراسة منهج البحث العلمي عند علماء المسلمين
الإثنين مايو 13, 2013 9:16 pm من طرف أبوعبيدة بن الجراح

» مناهج البحث عند علماء المسلمين - الأستاذ خالد السّعيداني
الإثنين مايو 13, 2013 9:15 pm من طرف أبوعبيدة بن الجراح

» ابن خلدون رائد عصر جديد في فقه التاريخ
الإثنين مايو 13, 2013 9:14 pm من طرف أبوعبيدة بن الجراح

» منهج ابن خلدون في دراسة التاريخ
الإثنين مايو 13, 2013 9:11 pm من طرف أبوعبيدة بن الجراح

» منهج ابن خلدون الفلسفي في البحث التاريخي
الإثنين مايو 13, 2013 9:10 pm من طرف أبوعبيدة بن الجراح

» منهج البحث التاريخي
الإثنين مايو 13, 2013 9:07 pm من طرف أبوعبيدة بن الجراح

تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية
قم بحفض و مشاطرة الرابط موسوعة التاريخ والآثار على موقع حفض الصفحات
التبادل الاعلاني

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

ابن خلدون رائد عصر جديد في فقه التاريخ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 ابن خلدون رائد عصر جديد في فقه التاريخ في الإثنين مايو 13, 2013 9:14 pm

[justify]لقد كانت النظرة التقليدية إلى التأريخ تهتم غاية ما تهتم بجمع الوقائع العسكرية والتحولات السياسية التي تتخذ صور المعاهدات أو التنازلات أو ما إلى ذلك من أمور تتصل بطريق أو بآخر بالخطِّ السياسي والعسكري .

وقلما كان قارئ التاريخ يجد في ثنايا الكتابات الموضوعية أو الحولية البالغة حدّ المجلدات سطورا أو صفحاتٍ تتناول ناحيةً فكريةَ أو اعتقادية ، أو تحولا اجتماعيا أو اقتصاديا ، أو رؤيةً نفسيةً ، أو نظرةً شبه شاملة - فضلا عن النظرة الشاملة- ترصد سائر العوامل المحركة والمهمة في صنع الحدث التاريخي ، وهو أمر بسطنا القول فيه من قبل .

(الجزء رقم : 15، الصفحة رقم: 241)


وقد يكون بإمكاننا في هذا البحث أن نقول:

إن ذلك المنهج -بصفة عامة- قد سيطر على حركة التاريخ البشري في سائر كتابات المؤرخين- باستثناء النظرات العارضة التي تناولناها آنفا -حتى ظهر ذلك العملاق العبقري المغربي الأندلسي المسلم عبد الرحمن بن خلدون .

إلا أننا -خضوعا للموضوعية- نضطر إلى القول بأن مؤرخنا المسلم العظيم قد استطاع أن يضع فعلا رؤية تنظيرية لتفسير التأريخ بعوامل مختلفة ، سماها طورًا العصبية الدينية أو القبلية ، وسماها طورا البيئة (أي الأثر الجغرافي) كما ألمع إلى العوامل البيولوجية والاقتصادية . . .

إلا أن المؤرخ الكبير لم يقدم لنا دراسة تاريخية تطبيقية نستطيع أن نتكئ عليها لكي نقول: إنه قد فتح عصرا جديدا في نهج التأليف التاريخي ، كما أنه من سوء حظ مؤرخنا الكبير ، أن إشعاعاته القوية واجهت أمة نائمة ، كانت تعيش فترة اضطراب حضاري ، فلم تستطع إيقاعاته بالتالي أن تقوم بدورها في تحريك المجتمع الإسلامي الفوار بالاضطرابات والشرور خلال القرون التي سبقت عصر اليقظة في أوربا . . أي الثامن والتاسع والعاشر للهجرة ، (الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر للميلاد) .

ومع صخب الصراعات الصغيرة الطائفية في المجتمع الإسلامي العريض ضاعت إيقاعات ابن خلدون . . فلم تظهر إلا بعد أن اكتشف أصداءها أوربيون كانوا يصغون بانتباه حضاري كبير لكل الإيقاعات المنبعثة من أركان العالم الإسلامي المتحضر . وهذا حق لا يمكن إنكَاره؛ فإن ابن خلدون كان خميرة قوية ، وإن لم نستطع نحن المسلمين الإفادة منها ، فإن الأوربيين قد أفادوا منها أيّ إفادة ، ويعتبر ابن خلدون من القلائل الذين ترجمت أعمالهم في وقت مبكر إلى كل لغات العالم الحية تقريبا ، وقد كتب الأوربيون حول مقدمته الشهيرة (وهي الجزء الأول من كتابه الكبير " العبر في أخبار العرب والعجم والبربر ومن جاورهم من ذوي السلطان الأكبر ) مئات الدراسات ، بحيث لا يجد المؤرخ المسلم أيّ حرج في أن يصرح بأن تأثير فكر ابن خلدون (بمقدمته في تفسير التأريخ وعلم العمران البشري) كان تأثيرا مباشرا وقويا وحاسما في
(الجزء رقم : 15، الصفحة رقم: 242)


يقظة الحضارة الأوروبية . وتعتبر القائمة التي أوردها الدكتور ( عبد الرحمن بدوي ) حول الدراسات الأوربية عن ابن خلدون (في كتابه عنه) من الأدلة الواضحة على عمق هذا التأثير ووضوحه .

وقد تيقظ الأوربيون منذ بداية عصر النهضة ، وبرعوا في النظر إلى التاريخ نظرةً أقرب إلى الشمول والتكاملية ، فلم يعد التاريخ مجرد حروب ومعاهدات ، بل أصبح في رأي أكثرهم:

"الأرض التي يجب أن تقف الفلسفة عليها وهي تنسج سائر ألوان المعرفة في نسيج واحد لينير طريق الحياة الإنسانية " .

ويروج الأوربيون أن " فولتير " هو الذي بدأ هذه النظرة الشاملة للتأريخ ، إذ إنه صاحب أول كتاب ذائع الصيت في تطبيق النظرة الجديدة للتأريخ ، وهو كتاب : ( رسالة في أخلاق الشعوب وروحها ووقائع التاريخ الرئيسية منذ شركمان وحتى لويس الثالث عشر ) .

لكن الحقيقة أن فولتير مسبوق بكثيرين ، لعل من أهمهم " الراهب بوسيه " الذي كان يرى أن التاريخ " دراما إلهية مقدسة ، وكل حادثة فيه هي درس من السماء تعلمه للِإنسان" ، كما سبقه أيضا المؤرخ المشهور " جيوفانو باتستافيكو " الذي كان يعترف بوجود العناية الإلهية ، (مثل الراهب بوسيه ) ولكنه في الوقت نفسه كان يفسر أحداث التاريخ تفسيرا أرضيا وبشريا خاضعا لقوانين شبه كلية ، سواء كانت مسيرة التاريخ في اتجاه صحيح أو اتجاه فاسد .

وقد توصل فيكو إلى تقسيم ثلاثي للتاريخ على أساس أنه ثلاث مراحل (مرحلة الهمجية ، ومرحلة البربرية ، ومرحلة الحضارة) ، وهو تقسيم يذكرنا بتقسيم هيجل ، وتقسيم أوجست كونت ، وإن كانت ثمة فروق كثيرة بينهم .

وعلى أية حال فإن النظرة الأوربية تعتبر " فولتير " بداية عصر جديد في
(الجزء رقم : 15، الصفحة رقم: 243)


النظرة إلى التأريخ ووظيفته وتفسيره ، لدرجة أن " أناتول فرانس " يبالغ فيسمي الفترة التي ظهر فيها " فولتير " "عصر فولتير " ، ويبالغ أكثر فيقسم تاريخ الفلسفة إلى عصور أربعة هي: عصر سقراط ، وعصر هوراس ، وعصر رابلين ، وعصر فولتير !!

والحق أن ابن خلدون هو المفتاح الكبير الواضح القسمات والمعالم ، والمتكامل الرؤية والمنهج في قضية تفسير التأريخ .

بل إننا نستطيع أن نقول مطمئنين : إن الكتابة التاريخية ينتظمها عصران:

- عصر ما قبل ابن خلدون .

- عصر ما بعد ابن خلدون .

ومهما وجدت نظرات متناثرة في تفسير التأريخ قبل ابن خلدون ، أو وجدت كتابات سردية تقليدية بعد ابن خلدون ، فإنه من الناحية الرسمية - على الأقل- يعتبر ابن خلدون مفرق طريق بين مرحلتين ، وليس ذلك في الفكر التأريخي الإسلامي فحسب ، بل في الفكر التأريخي الإنساني كله .

وليست هذه المكانة التي نعطيها لابن خلدون رأيا عنصريا ، أو عاطفيا ، بل هي حقيقة اعترف بها كبار فلاسفة التاريخ الأوربيين وسجلوها في شهادات صريحة واضحة . فإن أكبر مفسر أوربي للتأريخ في العصر الحديث ، وهو الأستاذ " أرنولد توينبي " يتحدث عن ابن خلدون في مواضع كثيرة من كتابه (دراسة للتأريخ) ، ويفرد له في المجلد الثالث سبع صفحات (321-327) ، وفي المجلد العاشر أربع صفحات (84-87) . وهو يقرر أن ابن خلدون " قد تصور في مقدمته ، ووضع فلسفة للتاريخ هي بلا مراء أعظم عمل من نوعه ابتدعه عقل في أي مكان أو زمان " " المجلد الثالث ص 322 " (1) وهو يقول عن ابن خلدون في الفقرة نفسها: " إنه لم يستلهم أحداث السابقين ، ولا يدانيه أحد من معاصريه ، بل لم يثر قبس الإلهام لدى تابعيه ، مع أنه في مقدمته للتأريخ العالمي قد تصور وصاغ فلسفة للتاريخ تعد بلا شك أعظم عمل من نوعه " .

(الجزء رقم : 15، الصفحة رقم: 244)


وأما المؤرخ العالمي ( روبرت فلنت ) فيقول عن ابن خلدون في كتابه الضخم (تأريخ فلسفة التأريخ):

" إنه لا العالم الكلاسيكي ولا المسيحي الوسيط قد أنجب مثيلاً له في فلسفة التاريخ ، هناك من يتفوقون عليه كمؤرخ ، حتى بين المؤلفين العرب ، أما كباحث نظري في التأريخ فليس له مثيل في أيّ عصر أو قُطْر ، حتى ظهر فيكو بعده بأكثر من ثلاثة قرون لم يكن " أفلاطون " أو " أرسطو " أو " سان " أو " غسطين " أندادا له ، ولا يستحق غيرهم أن يذكر إلىِ جانبه . . إنه يثير الإعجاب بأصالته وفطنته ، بعمقه وشموله ، لقد كان فريداَ ووحيدا بين معاصريه في فلسفة التأريخ ، كما أن دانتي في الشعر ، وروجو بيكون في العلم ، لقد جمع مؤرخو العرب المادة التاريخية ، ولكنه وحده الذي استخدمها " .

" لم يكن فحسب أعظم مؤرخي العصور الوسطى شامخا كعملاق بين قبيلةٍ من الأقزام ، بل كان من أوائل فلاسفة التأريخ سابقا:

ميكيافيلي ، وبودان ، وفيكو ، وكونت ، وكورنو " !! .

وبما أن ابن خلدون أسبقهم زمانا وأبعدهم مكانةً ، كلهم كانوا عالةً عليه ، فإنه في الحق الإمام لمدرسة فلسفة التأريخ ، والفيصل بين مرحلتين حاسمتين في منهج البحث التأريخي ، إنه بداية عصر جديد في الكتابة التاريخية نستطيع أن نسميه بلا تحفظ (عصر ابن خلدون ) .

ونحن هنا لن نقف طويلاً عند ابن خلدون (مؤرخا) . وإنما سيقتصر حديثنا على مقدمته ، التي تمثل الجزء الأول من موسوعته التاريخية " كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن جاورهم من ذوي
(الجزء رقم : 15، الصفحة رقم: 245)


السلطان الأكبر " . . ففي هذا الجزء الذي كتبه ابن خلدون مقدمة لكتابه الكبير ، استطاع أن يقدم إطارا متكاملاً لفلسفةٍ نقدية للتاريخ ، ويضع في ثنايا ذلك قواعد لعلم الاجتماع البشري " العمران " ، لدرجة أن أكثر علماء الاجتماع يعدونه مؤسس علم الاجتماع ، أكثر منه مؤسسا لعلم فلسفة التأريخ . والحقيقة أن فلسفة التاريخ ذات وشيجة قوية بعلم الاجتماع ، فلا مجال للوقوف عند هذه القضية .

وقبل أن نستخلص أهم المبادئ التي انتهى إليها ابن خلدون نقدم عرضا لهذه (المقدمة) أو هذا الجزء من كتاب " العبر" الذي كان له هذا الأثر في التأريخ .

لقد قسم . ابن خلدون (مقدمته) إلى الأجزاء التالية:

(أ) الديباجة: وفيها يذكر ابن خلدون أنه طالع كتب المؤرخين فوجدهم " لم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها ولا رفضوا ترّهات الأحاديث ولا دفعوها ، فالتحقيق قليل ، وطرف التنقيح في الغالب كليل " ، فوضع هذا الكتاب الذي يصف منهجه فيه قائلا: وسلكت في ترتيبه وتبويبه ، واخترعته من بين المناحي مذهبا عجيبا وطريقةً مبتدعةً وأسلوبا ، وشرحت فيه من أحوال العمران والتمدن ، وما يعرض في الاجتماع الإنساني من العوارض الذاتية ما يمتعك بعلل الكوائن وأسبابها ، ويعرفك كيف دخل أهل هذه الدول من أبوابها ، حتى تنزع من التقليد يدك ، وتقف على أحوال ما قبلك من الأيام والأجيال وما بعدك " .

وهذه الديباجة لا تعدو أن تكون (مقدمة) للمقدمة ، بالمعنى المعروف للمقدمات ، من شرح المنهج ، ومن بيان الجديد الذي يعتقد الكاتب أن يضيفه وأسباب التأليف ومنهجه الجديد .

(الجزء رقم : 15، الصفحة رقم: 246)


ومن ثم يدخل الكاتب- بعد (مقدمة المقدمة) التي سماها (ديباجة) إلى موضوعه ، فيبدأ الحديث تحت عنوان أطلق عليه " المقدمة " مع أنها من صميم بحثه .

(ب) المقدمة : وفيها يتحدث ابن خلدون في فضل علم التأريخ وتحقيق مذاهبه والإلماع لما يعرض للمؤرخين من المغالط ، وذكر شيء من أسبابها ، ذلك أن الأخبار "إذ اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة ، وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني ، ولا قيس الغائب منها بالشاهد ، والحاضر بالذاهب ، فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلّة القدم ، والحيد عن جادة الصدق ، كثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سمينا ، ولم يعرضوها على أصولها ، ولا قاسوها بأسبابها ، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار ، فضلّوا عن الحق ، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط ، ولا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر .

(ج) الكتاب الأول: وفيه يتناول ابن خلدون طبيعة العمران والاجتماع البشري ، وقد قسمه إلى ستة أبواب:

الباب الأول: في العمران البشري جملة: فيه مقدمات تتصل بالجغرافية الطبيعية والبشرية ، أي أثر البيئة في أبدان البشر وأخلاقهم وأحوالهم .

الباب الثاني: في العمران البدوي والأمم الوحشية والقبائل وما يعرض في ذلك من الأحوال ، وفيه موازنة بين أهل البدو وأهل الحضر وذكر خصائصهم ، وكلام على العصبية والتغلب والملك .

الباب الثالث: وهو في الدول العامة والملك والخلافة والمراتب السلطانية ، وفيه كلام عن نشأة الدول وتطورها قوةً ثم ضعفًا بيان أنه " إذا تحكمت طبيعة
(الجزء رقم : 15، الصفحة رقم: 247)


الملك من الانفراد بالمجد وحصول الترف والدعة أقبلت الدولة على الهرم ، وذلك أن للدول أعمارا طبيعيةً كما للأشخاص ، وعمر الدولة لا يعدو في الغالب ثلاثة أجيال ؛ لأن الجيل الأول لم يزالوا على خلق البداوة وخشونتها وتوحشها من شظف العين والبسالة والافتراس والاشتراك في المجد ، فلا تزال بذلك سورة العصبية محفوظة فيهم ، فحدهم مرهف وجانبهم مرهوب ، والناس لهم مغلوبون ، والجيل الثاني تحول حالهم بالملك والترفه من البداوة إلى الحضارة ، ومن الشظف إلى الترف والخصب ، ومن الاشتراك في المجد إلى انفراد الواحد به كل الباقين عن السعي فيه . . . وأما الجيل الثالث فينسون عهد البداوة والخشونة ، كأن لم يكن ، ويفقدون حلاوة العزّ والعصبية بما هم فيه من ملكة القهر ، ويبلغ منه الترف غايته . . . فيصيرون عيالاً على الدولة . . وتسقط العصبية بالجملة وينسون الحماية والمدافعة والمطالبة .

الباب الرابع: ويخصه ابن خلدون لظواهر العمران الحضري كنشأة المدن وبناء الهياكل وخرائب الأمصار .

الباب الخامس: وفيه يتناول ابن خلدون المعاش ووجوبه ووجوهه وأصنافه ومذاهبه .

الباب السادس: في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه ، وفيه يصف العلم والتعليم بأنها شيء طبيعي في العمران البشري ، وٍأن العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة ، ويضرب لذلك مثلا حال بغداد وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة ، لما كثر عمرانها في صدر الإسلام ، واستوت فيها الحضارة ، كيف زخرت فيها بحار العلم ، وتفننوا في اصطلاحات التعليم وأصناف العلوم ، واستنباط المسائل والفنون ، حتى أربوا على المتقدمين ، وفاتوا المتأخرين . ولما تناقص عمرانها واندحر سكانها انطوى ذلك البساط بما عليه جملة ، وفقد العلم بها والتعليم ، وانتقل إلى غيرها من أمصار الإسلام " .

(الجزء رقم : 15، الصفحة رقم: 248)


وهذه المقدمة ، وما تلاها من أجزاء كتابه العبر الذي مثل محاولة إعطاء تاريخ عالمي ، هي النظرية المتكاملة الأولى في التأريخ الإنساني ، لتفسير التأريخ . . وشأن ابن خلدون فيها هو شأن الذين لحقوه واعتمدوا عليه من الأوربيين وغيرهم ، وتعمقت لدى بعضهم مشكلات تفسير التأريخ .

فعمل ابن خلدون يتسم بالشروط الأساسية لتفسير التأريخ ، وهي التي لا يقوم (علم تفسير التأريخ ) بدونها .

وهذه الشروط هي :

1 - الشمولية العالمية في النظرة إلى التأريخ ، أو حسب تعبير بعضهم: " النظرة الكلية " ؛ فالتأريخ المحلي أو النظرة الجزئية المحدودة ، لا يمكن أن تشكل أساسًا لتفسير التأريخ .

ولا ينتظر أن يستقرئ كل مفسر للتأريخ سائر الأمثلة التي تقدمها الوقائع التاريخية في سائر الحضارات ، فذلك عمل ، وإن كان هدفا مثاليا ، إلا أنه تطبيقه من الصعوبة بمكان كبير .

وحسب مفسر التأريخ أن يقدم شرائح من حضارات مختلفة بحيث تكون نتائجها المستخلصة منها صالحة للتكرار والتعميم .

2 - العلية ، فلا تفسير بدون تعليل ، ولن تتحقق العبر واستخلاص السنن والقوانين بدون هذه العلية . وأي فلسفة ، في أي علم من العلوم ، لا بد أن تعتمد التعليل ، وهذا من الفروق الأساسية بين المنهج التأريخي التقليدي والمنهج الحضاري أو منهج تفسير التأريخ .

والتعليل -أيضا- لا بد أن يكون قابلاً للتكرار ، في أطر حضارية أخرى ، ولا بد أن يكون (عاما) شأن سائر القوانين . وأما التعليل الجزئي ، الذي يشبه " الحكمة " الخاطفة ، فلا يرقى إلى التعليل المطلوب لمفسر التأريخ .

والتعليل التاريخي الذي يعتمده مفسر التأريخ ، ليس تعليلا جزئيا - كما
(الجزء رقم : 15، الصفحة رقم: 249)


ذكرنا -وليس تعليلا خارجيا ، بل هو تعليل باطني ، مستقى من الرؤية الشاملة الفلسفية لما يقبع خلف الوقائع الظاهرة . إنه نظر إلى الواقعة من داخلها ، ومن نقطة الإحاطة بكل جوانبها ، ومن ربطها بإطارها العام ، وهذا ما ألمع إليه ابن خلدون بقوله:

" أما بعد ، فإن فن التأريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال ، وتشدّ إليها الركائب والرحال ، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال ، وتتنافس فيه الملوك والأقيال ، ويتساوى في فهمه العلماء والجهال ، إذْ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والأول ، والسوابق من القرون والدّول ، تنمو فيها الأقوال ، وتضرب فيها الأمثال ، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال ، وتؤدي إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال ، واتسع للدول فيها النطاق والمجال ، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال ، وحان منهم الزوال . وفي باطنه نظر وتحقيق ، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق ، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق ، فهو لهذا أصيل في الحكمة عريق ، وجدير بأن يعدّ في علومها وخليق " .

3 - الفكر ، فإذا كان المؤرخ مجرد مسجل للحدث ، باحث عن الطرق الصحيحة لِإثباته ، فإن مفسر التأريخ يحتاج إلى عمليات فكرية معقدة ، في محاولة لجمع جزئيات الماضي ، ولاستحضاره في حاضره ، عن طريق بنائه بناءً تركيبيا ، ولاستخلاص أسباب اتجاهه للِإيجاب أو السلب . فالجانب المعرفي والفكري أساسيّ لمفسر التاريخ .

4 - الحركة أو " الديناميكية " فالمفسر للتاريخ يقدم لنا صورة تبدو وكأنها إعادة حية (متحركة) للوقائع ، حتى نحسّ بطبيعة العوامل التي تقف خلف الأحداث . ولهذا يلجأ فيلسوف التاريخ لرصد كل العوامل النفسية " والبيولوجية " والفكرية والعقدية والاقتصادية ، ويربط بينها ويعطي لكل عامل
(الجزء رقم : 15، الصفحة رقم: 250)


حجمه في مرحلته التاريخية . . . أما المؤرخٍ فهو يقدم لنا التأريخ أقرب إلى السكونية الجامدة التي تعطينا جانبا معرفيا منظورا ، ولا تحرك فينا جوانب الاستحضار والتفاعل ، والبصر بالعوامل الباطنية للحدث .

- وفي مقدمة ابن خلدون ومن خلال عرضه ، نستطيع أن نتحقق من وجود هذه الشروط التي تجعله مفسرا رائدا للتاريخ ، وهي الشروط التي انتهى إليه البحث الفلسفي في التاريخ ، كما ذكرنا .

قوانين ابن خلدون الحضارية وتقويمها


- يرى ابن خلدون في تفسيره للتاريخ أن التطور سنة من سنن الله في الحياة الاجتماعية ، ويقول: " إنّ أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر ، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة ، وانتقال من حال إلى حال ، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار ، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول " .

وأهم ما يوجه التطور الاجتماعي والعمراني عند ابن خلدون هو نظريته في العصبية ، فهي بمثابة المحور الذي تدور حوله معظم المباحث الاجتماعية والتاريخية عنده ، وهو يتخذ من هذه الرابطة موضوعا لدراسةٍ شاملةٍ وعميقةٍ فيتكلم عن مصدر العصبية ، ويردّها إلى الطبيعة البشرية " لأن صلة الرحم طبيعة في البشر إلا في الأقل ، ومن صفتها النعرة على ذوي القربى وأهل الأرحام إن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة:

ويدخل في هذه العصبية عنده (عصبة الولاء) ، والعصبية عنده من خصائص البادية ، وهي ما يفسد بحياة الحضر ، ولها أثرها الهام في الحياة الاجتماعية ؛ لأن بها يتم التغلب ، وبالتغلب يحصل الملك ، وهكذا تلعب العصبية دورا هاما في تأسيس الملك وتكوين الدولة ، فاتساع الدولة يكون مناسبا مع قوة تلك العصبية ، ويلاحظ ابن خلدون نوعا من العلاقة بين قوة العصبية
(الجزء رقم : 15، الصفحة رقم: 251)


وبين أمور الديانة والدعوة الدينية أيضا ، ففي رأيه أن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم ، كما يلاحظ نوعا من المشابهة بين تأثير الدين وبين تأثير العصبية في الحياة الاجتماعية ، وهي نظرية موفقة إلى حدٍّ كبير في إظهار أوثق أنواع الروابط الاجتماعية ، وتعيين أهم أشكال التكاتف الاجتماعي في مثل تلك البيئات الجغرافية وتلك العهود التاريخية ، وهي تدل على تفكير فاحص ونافذ ومحيط ومتعمق في درس الحوادث الاجتماعية وتعليل الوقائع التاريخية ، كذلك تكشف نظرية ابن خلدون في الدول وأعمارها عن نظرية في التطور الاجتماعي ، ذات أبعاد بيولوجية ، فالدولة عنده كائن حي يتطور على الدوام وفق نظام ثابت ، كما تتطور جميع الكائنات الحية .

فالحضارة عند ابن خلدون تتعاقب على الأمم في ثلاثة أطوار: هي طور البداوة ، ثم طور التحضر ، ثم طور التدهور الذي يؤدي إلى السقوط .

- فأما طور البداوة فيمثل له ابن خلدون بمعيشة البدو في الصحاري ، والبربر في الجبال ، والتتار في السهول ، وهؤلاء عند ابن خلدون لا يخضعون لقوانين مدنية ولا تحكمهم سوى حاجاتهم وعاداتهم .

- وأما طور التحضر: فهو طور تأسيس الدولة عقب الغزو والفتح ، ثم الاستقرار في المدن ، والتمكن من العلوم والصناعات ، وهذا الطور يقوم على الدين والعصبية - وقد عقد ابن خلدون لهذا الفصل فصلاً آخر بعنوان " فصل في أن الدولة العامة الاستيلاء ، العظيمة الملك ، أصلها الدين إما من نبوة أو دعوة حق" .

- وأما طور التدهور: فيأتي في نهاية التحضر ، بعد مرحلة الازدهار ، ووصول الناس إلى مرحلة الانغماس في الترف ، والتحلل في الأخلاق ، وتغير العادات إلى المناكر ، والتواضع عليها . ويرى ابن خلدون أن مراحل تحضر الدولة هي ذاتها عوامل تدهورها ، ذلك أن الحضارة ، وإن كانت غاية العمران فهي في الوقت نفسه مؤذنة بنهاية عمره ، وأول هذه العوامل هو العصبية التي
(الجزء رقم : 15، الصفحة رقم: 252)


تتسم بها الرياسة والملك ، ولكن صاحب الرياسة يطلب بطبعه الانفراد بالملك والمجد ، والطبيعة الحيوانية تدفعه إلى الكبر والأنفة ، فيأنف من أن يشاركه أهل عصبيته فيدفعهم عن ملكه ، ويأخذهم بالقتل والإهانة وسلب النعمة ، حتى يصبحوا بعض أعدائه ، وطبيعة التأله في الملوك تدفعه إلى الاستئثار ، إذ لا تكون الرياسة إلا بالانفراد ، فيجدع أنوف عشيرته وذوي قرباه لينفرد بالملك والمجد ما استطاع ، ويعاني الملك في ذلك بأشد مما عانى في إقامة الملك ، لأنه كان يدافع الأجانب وكان ظهراؤه على ذلك أهل العصبية أجمعهم ، أما حين الانفراد بالملك فهو يدافع الأقارب مستعينًا بالأباعد ، فيركب صعبًا من الأمر . إنه أمر في طبائع البشر لا بد منه في كل الملوك . على أن العامل الحاسم في ضعف الدولة هو الترف ، إنه إذا كان قد زاد من قوة الدولة في أولها ، فإنه أشدّ العوامل أثرا في ضعفها وانهيارها ، ويفسر ابن خلدون ذلك بأسباب اقتصادية وأخلاقية ونفسية .

أما العامل الاقتصادي فإن طبيعة الملك تقتضي الترف حيث النزوع إلى رقة الأحوال في المطعم والملبس والفرش والآنية ، وحيث تشييد المباني الحافلة والمصانع العظيمة والأمصار المتسعة والهياكل المرتفعة ، وحيث إجازة الوفود من أشراف الأمم ووجوه القبائل مع التوسعة في الأعطيات على الصنائع والموالي ، وإدرار الأرزاق على الجند ، ويزيد الانغماس في الترف والنعيم لا من جانب السلطان وبطانته فحسب ، بل من جانب الرعية أيضا ، إذ الناس على دين ملوكهم .

أما العامل الأخلاقي النفسي ، الذي يجعل الترف معول هدم يؤدي إلى انهيار الدولة ، فمبعثه في رأي ابن خلدون ما يلزم عن الترف من فساد الخلق ، فإن عوائد الترف تؤدي إلى العكوف على الشهوات وكثيرٍ من مذمومات الخلق ، فتذهب عن أهل الحضر طباع الحشمة ويقذعون في أقوال الفحشاء ، فضلا عن أن الترف يُذهب ويضعف العصبية والبسالة ، حتى إذا
(الجزء رقم : 15، الصفحة رقم: 253)


انغمسوا في النعيم أصبحوا عيالا على الدولة ، كأنهم من جملة النسوان والولدان المحتاجين إلى المدافعة عنهم ، فالترف مفسد لبأس الفرد وشكيمة الدولة ، والترف مفسد للخلق بما يحصل في النفس من ألوان الفساد والسفه ، والترف مظهر لحياة السكون والدعة ودليل ميل النفس إلى الدنيا والتكالب على تحصيل متعها ، حتى يتفشى الخلاف والتحاسد ، ويفتّ ذلك في التعاضد والتعاون ، ويفضي إلى المنازعة ونهاية الدولة .

وقد انتهى ابن خلدون من خلال نظريته في تفسير التاريخ - باستثناء عشرات النظرات والآراء الجزئية - إلى عدد من القوانين اعتبرت جوهر نظريته ، وهي:

1 - أن تطور التاريخ يخضع للتدافع والصراع والتفاعل .

2 - أن العصبية الدينية والقبلية لها دور أساسي في بناء الدول .

3 - أن الحضارة كالكائن الحي في تطوره من البداوة إلى الحضارة ثم الاضمحلال .

4 - وأن الدول كالأفراد تخضع لدورة الحياة الفردية نفسها حتى تموت .

5 - أن العوامل الجغرافية والبيئية مؤثرة في التاريخ .

6 - أن للاقتصاد دورا مهما في العمران البشري .

7 - أن الدول تسقط بسقوط العصبية والولاء للدين .

8 - أن العرب (والإنسانية كلها) لا تصلح بغير الدين .

إنني هنا لا أحاول القيام بعملية استقصائية للنظرية الخلدونية في تفسير
(الجزء رقم : 15، الصفحة رقم: 254)


التأريخ ، لكن الذي أردت الوقوف عنده هو المكانة التي تبوأتها الفكرة الخلدونية في تفسير التأريخ ، سواء في الحضارة الإسلامية أو في الفكر التأريخي الإنساني .

لقد شكلت مقدمة ابن خلدون منعرجا حاسما في كيفية فهم الإنسان لتأريخه وتقويمه له . وما يرجو منه من كشف ، لا عن ماضيه فحسب ، بل خاصة عن تطور الجنس الذي ينتمي إليه ومصيره .

لقد كانت الكتابة التاريخية - قبل ابن خلدون - وعلى امتداد التاريخ كله ، باستثناء الشذرات التي ألمعنا إليها . . .

- كانت هذه الكتابات تنظر إلى التأريخ على أنه مجرد رواية صادقة ، ووثيقة مؤكدة في نسبتها إلى صاحبها وعصرها وسلامة مضمونها ، ومعلومات جزئية غايتها الإلمام بحوادث الماضي والإحصاء العددي لها . . . أجل: حاول الإنسان أولا - أن يؤرخ للحوادث البارزة ، أي أن يكوِّن لنفسه ، ولعشيرته ، ولقومه ذاكرة تحفظ المفاخرِ خاصة ، وتضبط أزمانها حسب السنوات ، من دون أن يحاول أن يفهم فهماَ عقليا عميقا ضرورة بروزها في زمن وبيئة خاصة ، وسرّ تداخلها ، ومدى تأثيره على جنسه كإنسان يقطع النظر عن النظرة الجزئية المحدودة .

- وعلى الرغم من الومضات الصادرة من حين إلى حين في بعض أحقاب التأريخ ، وعلى يد بعض الأفذاذ الذين ألمعنا إليهم ، فإن التأريخ بقي محصورا في دائرة الحفظ التسجيلي للوقائع ، مع توخي الصدق ، والتحري في الرواية .

ولعل مرحلة الصدق والتحري ودراسة الوثائق ، بل الاعتماد عليها ، هي أفضل ما استطاع المنهج التأريخي أن يصل إليه قبل عصر ابن خلدون .

وما إن جاء مؤرخنا المسلم العظيم حتى بدأ التأريخ - كما يقول ( إيف لاكوست ) (Yves Lacaste) " يكتسي صبغته العلمية " .

- لقد فهم ( ابن خلدون ) علاقة التفاعل المتبادلة ، التي تربط الإنسان بتأريخه . . . وقد أسماها ابن خلدون " التغلبات للبشر بعضهم على بعض " ،
(الجزء رقم : 15، الصفحة رقم: 255)


وقامت بعد ابن خلدون نظريات عالية الصوت ، تتحدث عن الصراع ، وعن " الديالكتيك " وعن " الجدلية المادية " و" الجدلية الفكرية " . . . كلها قد اتكأت على هذا القائد العظيم ، وانحرفت عنه يمينا أو يسارا .

إن ابن خلدون قدم المحاولة العلمية الأولى التي تخصصت في تفسير التأريخ ، وهي محاولة اعتمدت على المنهج القرآني ، ولم تنفصل عنه . . . لقد صور ابن خلدون حقيقة التأريخ بكل وضوح في عبارته المشهورة:

" حقيقة التأريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني ، الذي هو عمران العالم ، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض ، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها ، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع ، وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال .

ويعلق أحد المؤرخين المعاصرين على رؤية ابن خلدون للتأريخ- كما صورتها عبارته السابقة- فيقول:

إن هذا التعريف للتأريخ يدهشنا ، إذْ هو تعريف له كما نفهمه نحن اليوم ، بل كما يفهمه أنصار الحركة التجريدية الذين حملوا حملة شعواء في مؤتمر سنة 1950 بباريس ، على من بقي من المؤرخين متمسكا بالطريقة التقليدية في رواية الحوادث واعتبار التأريخ يكفي أن يكون سجلا لها . فابن خلدون يريد عكس ذلك ، فهو يريد أن يجعل من التأريخ أداة كشف عن سر " الاجتماع الإنساني " ، وعن خروج هذا الإنسان من " التوحش " إلى " التأنس " بفضل الله ، ثم بفضل الصراع الجدلي الذي يعبّد سبيله ، عبر عقبات متجددة ، نحو إنسيّة أكمل ، عن طريق الرقي المستمر الناشئ حتما عما " ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع
(الجزء رقم : 15، الصفحة رقم: 256)


وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال" ، وطبيعة الأحوال هذه التي يشير إليها ابن خلدون ، ويعتبرها القانون الذي بمقتضاه يسير التطور الضروري الذي لا يعاند ، إنما هي سنة الله التي توجّه شراع الخليقة ، ليّنةً تارةً ، عنيفةً أخرى ، والتي أشار إليها القرآن في أكثر من آية ، وهكذا يصبح التأريخ ، استكشافا كليا لتطور الإنسان ، ومحاولة حل للغزٍ وضعه اليوم في هذا الكون ، ولمصيره العاجل أو الآجَل .

ولئن كان ابن خلدون لم يطبق كثيرا من آرائه هذه الطموحة الجريئة في كتاب العبر ، فإن ذلك لا يسلب فضل التعبير عنها بغاية الدقة والوضوح . فإنه كان من المستحيل علميا- لا سيما في زمانه ، تطبيقها من طرف باحث واحد ، في موسوعة فتحت صفحاتها لتاريخ العالم الإسلامي بأكمله - ولعل استعصاء تطبيق هذه الآراء في كتاب (العبر) هو الذي جعل ابن خلدون يضمن خلاصة أفكاره وعبره واعتباراته خاصة في (المقدمة) .

وهكذا فتح أبوابها للاجتماع والاقتصاد والمؤسسات ، وضروب الثقافات والعلوم . لأن كل ذلك إن لم يكن تاريخا صرفا بالمعنى الضيق ، فلا غنى للمؤرخ عنه ، ولا سبيل لفهم الإنسان بدونه .

وهكذا كان ابن خلدون عملاقا ، يقف متفردا ، كحدٍّ فاصل بينِ مرحلتين متميزتين في المنهج التأريخي ، وقد أعطى بهذا المنهج المتفرِّد سبقاَ للحضارة الإسلامية ، التي كان لها الفضل الكبير في الانتقال بالتأريخ من مرحلة الجمع إلى مرحلة التفسير ، ومن منهجية التوثيق إلى منهجية التمحيص والتركيب الفلسفي الذي يمثل مرحلة جديدة في الرشد العقلي للِإنسانية كلها .

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://history8archaeology.yoo7.com

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى